ابن عجيبة
439
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ناس من المدينة وأذاعوا كلامه . إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ يعنى : أبا سفيان وأهل مكة لما خرج إلى مرّ الظهران . وقوله : فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ أي : عافية وسلامة ، وَفَضْلٍ ما أصابوا من التجارة ، وقوله : إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يعنى : نعيما يخوفكم أَوْلِياءَهُ والباقي ظاهر . الإشارة : أهل القوة من المريدين إذا قيل لهم : إن الناس قد جمعوا لكم ليردوكم أو يؤذوكم فاخشوهم ، زادهم ذلك إيمانا وإيقانا ، وتحققوا أنهم على الجادة ، لسلوكهم على منهاج من قبلهم ؛ أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا الآية ، واكتفوا بعلم اللّه ونظره وبرعايته ونصره ، فانقلبوا بنعمة الشهود ، وفضل الترقي في عظمة الملك الودود ، لم يمسسهم في باطنهم سوء ولا نقصان ، واستوجبوا من اللّه الرضى والرضوان ، وإنما ذلكم شيطان يردهم عن مقام الشهود والعيان ، فلا ينبغي لهم أن يخافوا ومطلبهم مقام الإحسان ، الذي تبذل في طلبه الأرواح والأبدان . وباللّه التوفيق . ثم هوّن شأن الكفار ، وأمّن المسلمين من ضررهم ، فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 176 إلى 177 ] وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 176 ) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 177 ) قلت : حزن يحزن كبلغ يبلغ ، وأحزن يحزن ، كأكرم يكرم ، لغتان ، والأولى أفصح . يقول الحق جل جلاله : ولا يهولك شأن الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ أي : يبادرون إلى الوقوع فيه ، كالمنافقين أو الكفار جميعا ، فلا تخف ضررهم ؛ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً أي : لن يضروا أولياء الله ، وإنما يرجع ضررهم إلى أنفسهم . يُرِيدُ اللَّهُ - بسبب ما أظهر فيهم من المسارعة إلى الكفر - أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي ثواب الْآخِرَةِ ؛ لمّا سبق لهم من الشقاء ، حتى يموتوا على الكفر . وفي ذكر الإرادة إشعار بأن كفرهم بلغ الغاية ، حتى أراد أرحم الراحمين ألّا يكون لهم حظ من رحمته . وَلَهُمْ مع ذلك عَذابٌ عَظِيمٌ . ثم كرر شأنهم تأكيدا فقال : إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ أي : استبدلوا الإيمان الذي ينجيهم من العذاب ، لو دخلوا فيه ، بالكفر الذي يوجب العذاب ، لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ موجع ، أو يكون في الكفار أصالة ، وهذا في المرتدين ، واللّه تعالى أعلم .